أخبار عاجلة
تحميل ...
الرئيسية فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام للسعدي -الجزء الثاني

فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام للسعدي -الجزء الثاني


سورة يوسف

- ينبغي للإنسان أن يعدل بين أولاده .
- الحث على التحرز مما يخش ضره .
- أن من الحزم إذا أراد العبد فعلاً من الأفعال أن ينظر إليه من جميع الإحتمالات .
- الحذر من الذنوب.
- ما هو البرهان في سورة يوسف .
- وتفسير هم بها وهمت به .


ومن فوائد هذه القصة أنه يتعين على الإنسان أن يعدل بين أولاده . وينبغي له إذا كان يحب أحدهم أكثر من غيره أن يخفي ذلك ما أمكنه , وأن لا يفضله بما يقتضيه الحب من إيثار بشيء من الأشياء , فإنه أقرب إلى صلاح الأولاد وبرهم به واتفاقهم فيما بينهم ; ولهذا لما ظهر لإخوة يوسف من محبة يعقوب الشديدة ليوسف وعدم صبره عنه وانشغاله به عنهم سعوا في أمر وخيم , وهو التفريق بينه وبين أبيه . فقالوا : { ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين } [ سورة يوسف : الآيتان 8 , 9 ] 

وهذا صريح جدا أن السبب الذي حملهم على ما فعلوا بيوسف من التفريق بينه وبين أبيه هو تميزه بالمحبة , خلاف ما ذكر كثير من المفسرين أن يوسف أخبرهم برؤياه - فحسدوه لذلك فإنه مناف للآية الكريمة , وسوء ظن بيوسف حيث استكتمه أبوه فقال : { يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا } [ سورة يوسف : الآية 5 ] فيوسف أبر وأعقل من أن يخبرهم بها , ولكن كثير من الإسرائيليات تروج على كثير من الناس , مع أن أقل تأمل في النصوص الشرعية يعلمهم ببطلانها . والمقصود : أن الذي حمل إخوة يوسف على ما فعلوا هو تمييز يعقوب ليوسف , ومع هذا فلا يحل هذا الأمر الشنيع . وهم يعلمون أنه لا يحل  لهم , ولكنهم قالوا : افعلوا هذا الجرم العظيم وتوبوا إلى الله بعده . فلهذا قالوا : { وتكونوا من بعده قوما صالحين } [ سورة يوسف : الآية 9 ] وهذا لا يحل أن يواقع العبد الذنب بأي حالة يكون , ولو أضمر أنه سيتوب منه , فالذنب يجب اجتنابه فإذا وقع وجبت التوبة منه . ولعل من حكمة الله ورحمته بيعقوب ما قدره عليه من الفرقة التي أحدثت له من الحزن والمصيبة ما أحدثت رفعة لمقاماته في الدنيا والآخرة , ولتكون النعمة عند حصول الاجتماع لها الموقع الأكبر والشكر الكثير والثناء على الله بها , وليصل ولده يوسف إلى ما وصل إليه من المقامات الجليلة , وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم , والله يعلم وأنتم لا تعلمون .

ومن فوائد الحث على التحرز مما يخشى ضره لقوله : { يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا } [ سورة يوسف : الآية 5 ] وما فيها من التأكيد عليهم في حفظه حين أرسله معهم ثم عند إرسال أخيه بنيامين بعد ذلك أخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك . فالإنسان مأمور بالاحتراز , فإن نفع فذاك , وإلا لم يلم العبد نفسه .

 ومنها أن من الحزم إذا أراد العبد فعلا من الأفعال أن ينظر إليه من جميع نواحيه ويقدر كل احتمال ممكن , وأن الاحتراز بسوء الظن لا يضر إذا لم يحقق بل يحترز من كل احتمال يخشى ضرره , ولو تضمن ظن السوء بالغير إذا كانت القرائن تدل عليه وتقتضيه , كما في هذه الآية , وكما قويت القرائن في قوله : { هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل } [ سورة يوسف : الآية 64 ] فإنه سبق لهم في أخيه ما سبق فلا يلام يعقوب إذا ظن بهم هذا الظن , وإن كانوا في الأخ الأخير لم يجر منهم تفريط ولا تعد . 
ومنها الحذر من الذنوب , خصوصا الذنوب التي يترتب عليها ذنوب أخر ويتسلسل شرها , كما فعل إخوة يوسف بيوسف , فإنه نفس فعلهم فيه عدة جرائم في حق الله وفي حق والديه وقرابته وفي حق يوسف ; ثم يتسلسل كذبهم كلما جرى ذكر يوسف وقضيته أخبروا بهذا الكذب الفظيع ولهذا حين تابوا وخضعوا وطلبوا من أبيهم السماح : { قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين } [ سورة يوسف : الآية 97 ]

ومنها أن بعض الشر أهون من بعض ; فحين اتفقوا على التفريق بين يوسف وأبيه ورأى أكثرهم أن القتل يحصل به الإبعاد الأبدي : { قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين } [ سورة يوسف : الآية 10 ] فخفف به الشر عنهم ولهذا لما وردت السيارة الماء وأدلى واردهم دلوه تبشر بوجوده وقال : { هذا غلام } [ الآية 19 ] وكان إخوته حوله فقالوا : إنه غلام أبق منا ; وتبايعوا معهم : { وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين } [ الآية 20 ] وإنما قصدهم إبعاده والتأكيد على مشتريه منهم , صورة , أن يحتفظ به لئلا يهرب . ومن لطف الله أن الذي أخذه باعه في مصر على عزيزها , فحين رآه رغب فيه جدا وأحبه وقال لامرأته : { أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا } [ الآية 21 ] فبقي مكرما عندهم معفى عن الأشغال الشاقة وغيرها متجردا للخير . وهذا من اللطف بيوسف ولهذا قال :  { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث } [ الآية 21 ] فكان تفرغه عند العزيز من أسباب تعلمه للعلوم النافعة ليكون أساسا لما بعده من الرفعة في الدنيا والآخرة . كما أن رؤياه مقدمة اللطف , وكما أن الله أوحى إليه حين ألقاه إخوته في الجب : { لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون } [ الآية 15 ] وهذه بشارة له بالنجاة مما هو فيه , وأنه سيصل إلى أن ينبئهم بأمرهم وهم لا يشعرون . وقد وقع ذلك في قوله : { هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون } [ الآية 89 ] إلى آخر الآيات . 

وألطاف المولى لا تخطر على البال , ومنها أن العبرة في حال العبد بكمال النهاية لا بنقص البداية , وذلك أن إخوة يوسف جرى منهم ما جرى من هذه الجرائم , لكن في آخر أمرهم ونهايته تابوا إلى الله , وطلبوا السماح من أخيهم يوسف ومن والديهم الاستغفار , فحصل لهم السماح التام والعفو الكامل فعفا الله عنهم وأوصلهم إلى الكمال اللائق بهم . قيل إن الله جعلهم أنبياء , كما قاله غير واحد من المفسرين في تفسير الأسباط : إنهم إخوة يوسف الاثنا عشر . وقيل بل كانوا قوما صالحين ; كما قاله آخرون ; وهو الظاهر , لأن المراد بالأسباط قبائل بني إسرائيل , وهو اسم لعموم القبيلة لأولاد يعقوب الاثني عشر فهم آباء الأسباط وهم من الأسباط ولهذا في رؤيا يوسف رآهم بمنزلة الكواكب في إشراقها وعلوها , وهذه صفة أهل العلم والإيمان والله أعلم .

 ولهذا تفسر رؤيا الشمس والقمر والكواكب بالعلماء والصالحين وقد تفسر بالملوك , والمناسبة ظاهرة ومنها تكميل يوسف صلوات الله عليه لمراتب الصبر , الصبر الاضطراري : وهو صبره على أذية إخوته وما ترتب عليها من بعده عن أبويه وصبره في السجن بضع سنين ; والصبر الاختياري : صبره على مراودة سيدته امرأة العزيز مع وجود الدواعي القوية من جمالها وعلو منصبها وكونها هي التي راودته عن نفسه وغلقت الأبواب  وهو في غاية ريعان الشباب , وليس عنده من قرابته ومعارفه الأصليين أحد . ومع هذه الأمور , ومع قوة الشهوة , منعه الإيمان الصادق والإخلاص الكامل من مواقعة المحذور . وهذا هو المراد بقوله : { لولا أن رأى برهان ربه } [ الآية 24 ] فهو برهان الإيمان الذي يغلب جميع القوى النفسية فكان هو مقدم السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله , وهو رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف الله . ثم بعد ذلك راودته المرأة وراودته , واستعانت عليه بالنسوة اللاتي قطعن أيديهن فلم تحدثه نفسه , ولم يزل الإيمان ملازما له في أحواله حتى قال بعدما توعدته بقولها : { ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه } [ الآيتان 32 , 33 ] فاختار السجن على مواقعة المحظور ; ومع ذلك فلم يتكل على نفسه بل استغاث بربه أن يصرف عنه شرهن , فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن , إنه هو السميع العليم . 

وكما أنه كمل مراتب الصبر فقد كمل مراتب العدل والإحسان للرعية حين تولى خزائن البلاد المصرية , وكمل مراتب العفو والكرم حين قال له إخوته : { تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين } [ الآيتان 91 , 92 ] فارتقى صلى الله عليه وسلم إلى أعلى مقامات الفضل والخير والصدق والكمال , ونشر الله له الثناء بين العالمين .عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي رحمه الله .
لقراءة الجزء الأول من هنا .
لاتنسوني من صالح دعائكم .
 

هل أعجبك الموضوع ؟

نبذة عن الكاتب

محاسب مالي وإداري و كاتب مقالات الرأي في الصحف والمواقع الإلكترونية, محب للبحث والقراءة في علوم الاقتصاد والمحاسبة والادارة والتنمية البشرية وربط العلوم ببعضها,وأهدف الى بناء أقوي موقع حر للكتاب المستقلين .ويسرني ويشرفني انضمام جميع فئات الكتاب لتقديم محتوي قيم وتحقيق اهداف الموقع واهدافهم .


يمكنك متابعتي على :


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


جميع الحقوق محفوضة لمدونة كاتب مستقل2015/2016

تصميم : تدوين باحتراف