أخبار عاجلة
تحميل ...

الثلاثاء، 3 يوليو 2018

الرئيسية لماذا فشلت مصر في الاستفادة من "قش الأرز"؟

لماذا فشلت مصر في الاستفادة من "قش الأرز"؟

لماذا فشلت مصر في الاستفادة من "قش الأرز"؟
لماذا فشلت مصر في الاستفادة من "قش الأرز"؟

    لماذا فشلت مصر في الاستفادة من "قش الأرز"؟

إسهامات علمية حبيسة جدران المعامل.. وخامات وصناعات تبحث عن مستفيد.. وتضارب الاختصاصات وتداخلها، كلها عوامل جعلت مصر أسيرةً لـ"السحابة السوداء" لسنوات، رغم نجاح تجارب دولية عديدة في الاستفادة من المخلفات الزراعية، وخاصة قش الأرز.


كان الجميع ينظر إلى موسم حصاد الأرز في مصر على أنه "رمز للخير"، لكن مع الأسف تحول حصاد الأرز إلى أزمة بيئية حادة. حرائق ونيران ودخان وسحابة سوداء باتت أشبه بـ"زائر خريفي" دائم غير مرغوب فيه. تحديدًا في شهري سبتمبر وأكتوبر من كل عام، ومع مغيب شمس كل يوم تقريبًا يقف المزارعون في حقولهم لرش السولار وإشعال النار في قش الأرز المنتشر بطول الحقل وعرضه في صفوف متوازية بعد الحصاد. وفي لحظات تتصاعد الأدخنة الكثيفة من حقول الأرز مكوِّنةً سحابةً سوداء هائلة تتحول معها "نعمة" قش الأرز (الذي يعدُّه الخبراء والمتخصصين مصدرًا للخامات اللازمة للعديد من الصناعات) إلى "نقمة".

يعود تصاعد أزمة قش الأرز إلى تسعينيات القرن الماضي؛ إذ اكتست سماء مصر بـ"سحابة سوداء" مثلت للبعض علامةً على اقتراب الساعة، أما بالنسبة لحكومات مصر المتعاقبة فقد مثلت مصدرًا لإصدار "قوانين ردع" تبدأ بغرامة تتراوح قيمتها بين 5 آلاف و100 ألف جنيه مصري، وتنتهي بالسجن مدةً لا تزيد على عام. أوحت الأزمة لكثير من الباحثين المصريين بسلسلة لا تنتهي من الأبحاث والتجارب والإسهامات العلمية، بدايةً من صناعة الورق الأبيض والمبيدات الحشرية والمواد المضادة للأكسدة، والتي يمكن استخدامها في صناعة مطاط وإطارات سيارات أكثر قدرةً على التحمل، مرورًا بتصنيع مواد حافظة للخضراوات والفواكه، وانتهاءً باستخدامه في مختبرات "العمارة الخضراء" وإقامة "بيوت صديقة للبيئة".

غير أن الأبحاث السابقة ظلت "حبيسة" أدراج المعامل وجدرانها، ما يثير أسئلةً كثيرةً حول عدم استفادة الحكومات المتعاقبة في مصر من "قش الأرز"، خاصَّةً أن دولًا مثل الصين نجحت في استثماره وتحويله إلى مصدر للطاقة و"الكيمياء الخضراء"

الكيمياء الخضراء
داخل معمل يحمل لافتة "الكيمياء الخضراء" بالمركز القومي للبحوث، التقت "للعلم" جلال نوار –الأستاذ بالمركز- ليروي قصته مع قش الأرز وكيف دخل القش معمله ليخرج في شكل منتجات متنوعة لم يهتم أحد لإنتاجها بشكل تجاري لتصبح مصدرًا للدخل.

يقول نوار: "إن الكيمياء الخضراء تقوم على مبادئ، أهمها إجراء عمليات إنتاجية نظيفة، واستخدام مُدخَلات متجددة ودائمة للاستفادة من المخلفات عن طريق ابتكارات محدودة التكلفة. وفى ضوء هذه المبادئ نجحنا في ابتكار 8 منتجات من قش الأرز، بعضها حصل بالفعل على براءة اختراع، والبعض الآخر تم تسجيله، ونُشرت بحوثه في دوريات علمية".

يرصد "نوار" إنتاجه من قش الأرز على النحو التالي:

براءة اختراع لتصنيع محسِّن للتربة بإضافة مستخلص القش إلى القواقع الكثيرة التي تجعل المزروعات وأشجار الفاكهة تبدو كأشجار سيراميك. وهذا المحسِّن يكافح "النيماتودا" التي تتغذى على جذور النباتات وتدمرها، ويمكنه المساعدة في حل ثلاث مشكلات: حرق قش الأرز، والقضاء على القواقع، والقضاء على النيماتودا. وتم الحصول على براءة هذا الاختراع عام 2017.
براءة اختراع لتصنيع لب الورق، والذي تدفع مصر سنويًّا حوالي 15 مليار جنيه لاستيراده. ولب الورق هو المادة الخام لتصنيع ورق الكتابة الأبيض، وأرسلنا عينات منه إلى مصانع في دول مثل بلجيكا وإسبانيا، وطلبوا استيراد كميات تقدر بـ50 ألف طن سنويًّا. كما أنتجنا في المركز طنًّا ونصف طن لبابة مستخرجة من 5 أطنان قش، وذلك على مستوى نصف صناعي؛ إذ أنتجناه في مزرعة المركز بالنوبارية وتم تدريب العمالة على تصنيعه، وحصلنا على براءة اختراع بشأنه عام 2016.
براءة تصنيع ماكينة "تنسيل" لب الورق، إذ يكون اللب "ملبدًا" بعد فصله، والتنسيل خطوة صناعية تسمى "فيبر"، وهى أشبه بمرحلة حلج القطن، وهذه الماكينة حصلت على براءة اختراع عام 2016، وتم إنتاجها بالتعاون مع القطاع الخاص.
إنتاج سليلوز مقاوم للميكروبات من المولاس (السائل الأسود الناتج عن عصر قش الأرز) بعد إجراء تعديل كيميائي، ويتم استخدامه لحفظ المحاصيل الزراعية وتم تجريبه على ثمار البرتقال، وأثبت كفاءةً في الحفاظ على البرتقال من التلف، كما تم استخدامه في حفظ الزبادي والعصير أيضًا، وتم تسجيله كبراءة اختراع وفى انتظار الحصول عليها.
إنتاج علف للحيوانات كبيرة الحجم من المولاس الناتج عن قش الأرز، بعد تعديله كيميائيًّا بإضافة مخلف بروتيني يرفع قيمته الغذائية لتصل نسبة البروتين فيه إلى 45%، وحصلنا على براءة الاختراع في عام 2015.
تصنيع مادة لاصقة من السائل الأسود الناتج عن تصنيع لب الورق من القش، وذلك بعد معالجته وإضافة مادة لاصقة مثل الصمغ أو الغراء، وهي مادة أثبتت كفاءتها كمادة لاصقة في صناعة الأخشاب، كما أنها آمنة لا تضر بالإنسان، وهي مسجلة كبراءة اختراع منذ عام 2013.
مبيد للبعوض باستخدام المولاس الناتج عن قش الأرز بعد تعديله كيميائيًّا، والمبيد يحقق المكافحة المثالية لأنه يقضي على اليرقات ويكسر دورة حياتها، وتم تصنيع المبيد على مستوى نصف صناعي، وحصلنا على براءة اختراعه عام 2012.
تصنيع مطاط مضاد للأكسدة من السائل الأسود، وهو مطاط أكثر قدرةً على المقاومة والتحمل، ويدخل في صناعة إطارات السيارات.


براءات اختراع
ثماني براءات اختراع كانت محصِّلة دخول "قش الأرز" معمل الكيمياء الخضراء، كما كانت محصِّلة أبحاث استغرقت سنوات ولكنها جميعًا لم تدخل المصانع للتطبيق؛ لأسباب وصعوبات، منها تداخُل الاختصاصات وتضارُبها داخل وزارة البحث العلمي، ممثلةً في صندوق البحث العلمي والمحافظات، وفق "نوار".

يقول "نوار": "إن فكرة تصنيع لب الورق من قش الأرز حصلت على دعم وتمويل من صندوق البحث العلمي بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، ووقع الاختيار على إحدى المحافظات (رفض تسميتها) التي تزرع مساحات كبيرة من الأرز وتعاني من آثار حرق القش. وقدمت المحافظة قطعة أرض من فدانين لتنفيذ الفكرة، ولكن كل شيء توقف بسبب الاختلاف حول ميزانية بناء السور الذي يحيط بالأرض؛ إذ رفضت المحافظة تحمُّل تلك التكلفة، في حين رأى القائمون على الصندوق أن تكلفة إنشاء السور يجب أن تتحملها المحافظة، وانتهى الأمر بقرار "انفصال" من الطرفين؛ إذ سحب الصندوق تمويله، وسحبت المحافظة الأرض المخصصة للمشروع".

ويضيف أن "فكرة تصنيع المبيد من السائل الأسود الناتج عن قش الأرز عند طرحها لاقت استحسانًا من الوزراء المعنيين، وهم وزراء البيئة والزراعة والصحة، لكن الخلاف وقع بين وزارتي الصحة والزراعة حول أيهما سيتبنى الفكرة لحين تنفيذها.

ويرى "نوار" أن "الاستفادة من قش الأرز تحتاج إلى رواد أعمال وليس رجال أعمال؛ لأن رواد الأعمال يتمتعون بإمكانيات فكرية وعلمية مرتفعة، ولديهم استعداد لتنفيذ الأفكار الجديدة وتحمُّل المخاطرة، ولكن هؤلاء عددهم محدود جدًّا"، مضيفًا: "لدينا تجارب مع رجال أعمال حضروا للمركز وتعاقدوا على تنفيذ بعض الأفكار على المستوى الصناعي، ولكن التجارب فشلت بسبب استعجال رجال الأعمال لجني الأرباح".

ويضيف أن "الدولة تستطيع أداء دور رواد الأعمال في تحويل الأبحاث التطبيقية إلى واقع، وذلك من خلال الميزانية التي ترصدها سنويًّا لوزارة الصحة لعلاج الأمراض الناتجة عن حرق القش، والميزانية التي ترصدها لوزارة البيئة لمطاردة السحابة السوداء".

العجيب أن أفكار "نوار"، التي لم تُنفذ لاستغلال القش، كانت سببًا في تكريمه وحصوله على جوائز دولية، وكذلك مشاركته من خلالها في المعرض الدولي للاختراعات بجنيف خلال المدة من 10 إلى 16 أبريل 2018.



دائرة لا تنتهي
دائرة الأبحاث المتعلقة بقش الأرز لم تتوقف، وهو ما كشف عنه الملتقى التسويقي الذي عقده المركز القومي للبحوث في الأسبوع الأخير من شهر فبراير الماضي، والذي تضمَّن عرض 6 أبحاث قابلة للتطبيق الفوري.


منها بحث أعده فريق بحثي برئاسة محمد لطفي –الأستاذ بشعبة بحوث الصناعات الكيماوية العضوية بالمركز- حول "استخدام المخلفات الزراعية -ومنها قش الأرز- في تحضير مواد نانومترية سليلوزية متعددة الاستخدامات من قش الأرز ومصاصة القصب، وتم استخدامه في مجال هندسة أنسجة عظام الفك، إذ جرى تحضير "جيل" قابل للحَقن ومقارنته بالمنتجات المستخدمة صناعيًّا وأثبت كفاءة، كما تمت تجربة استخدام المواد النانومترية المفصولة لتحسين بعض خواص الورق المنتج محليًّا، مثل تحسين المقاومة تجاه النمو البكتيري، وزيادة الممانعة لنفاذية الهواء والرطوبة.

وهناك أيضًا دراسة لفريق بحثي برئاسة وليد الزواوي –الأستاذ بشعبة الصناعات الكيماوية العضوية- لإنتاج الإيثانول من قش الأرز ومصاصة القصب، وأخرى أجراها باحثون برئاسة شادية راغب توفيق لإنتاج الإيثانول من قش الأرز وتم إجراء التجارب على المستوى المعملي ونصف الصناعي، وكذلك دراسة أجراها فريق بحثي برئاسة حسني السيد –الأستاذ بشعبة بحوث الصناعات الكيماوية العضوية- عن استخدام قش الأرز في إنتاج الفحم النشط والهيدروجيل، ويُستخدم الفحم النشط في معالجة المياه وتنقيتها، والهيدروجيل في الزراعة لتقليل استهلاك مياه الري بنسب تتراوح بين 20 و40%، وزيادة كفاءة استخدام الأسمدة بنسب تصل إلى 250%.

كما أجرى فريق بحثي برئاسة علاء البدوي –الأستاذ بشعبة البحوث الزراعية والبيولوجية- دراسةً تحت عنوان "البالة الذكية لقش الأرز"، وانتهت إلى إنتاج علف يتكون من مخلوط قش الأرز مع مخلفات المحاصيل الزراعية بتطبيق تقنية يابانية لإنتاج علف متخمر ذي قيمة غذائية مرتفعة ومعبأ ومغلف في بالات قياسية أبعادها 50سم *50سم *20سم، ويبلغ متوسط 25 كيلوجرامًا، ومن مزاياها عدم استخدام أسلاك وحبال لربط البالات، خاصةً أن تلك الأسلاك والحبال تضر بالحيوان، فضلًا عن سهولة نقل البالات وتخزينها، وعدم وجود فرص لتعرُّضها للحرق.

أما البحث السادس، فأجراه فريق بحثي بشعبة البحوث الهندسية -برئاسة جيهان لطفي- عن استخدام طوبة القش الأسمنتية وبالات القش المكبوسة في بناء بيوت اقتصادية صديقة للبيئة، وكما جاء في التقرير، فإن النموذج الذي تم إنشاؤه في أرض المركز بالسادس من أكتوبر على مساحة 100 متر يراعي مبادئ العمارة الخضراء.

ويتميز بيت "قش الأرز" بتصميم يسمح بالإضاءة والتهوية الطبيعيتين، فهو بيت صديق للبيئة وموفر للطاقة، كما يمكن تزويده بوحدات لتوليد الطاقة الشمسية، ووحدات لمعالجة مياه الصرف الخاصة بالأحواض ليُعاد استخدامها في زراعة نباتات زينة حول البيت، ويتمتع البيت بعزل حراري عالٍ ومقاومة للبكتيريا، وكلها مميزات جرى التأكُّد منها من خلال اختبارات أُجريت للتثبُّت، كما يتمتع بقدرة أكبر على مقاومة الحرائق، وتم اختبار ذلك بتعريض قطاع منه للحريق بتصويب النار عليه وحساب المدة التي بدأ تأثره بها، فضلًا عن مقاومته للعوامل الجوية؛ إذ تم إنشاؤه في منطقة صحراوية عام 2013، بحيث يكون معرَّضًا للهواء والشمس والأمطار، ولا يزال على حالته قادرًا على البقاء مدةً لا تقل عن البيت العادي، بالإضافة إلى أن تكلفة تشييده تُقدر بـ50% فقط من تشييد المنزل العادي، ولا يستغرق بناؤه أكثر من شهر.

ولم يتوقف الأمر عند إنشاء البيت، وإنما تم تأثيثه بأَسِرَّة ومقاعد ودواليب مصنوعة من بالات القش وطوبة القش الإسمنتية.

مياه الصرف الصحي
معالجة "مخلف بمخلف" كانت فكرة محمد أسامة، الكيميائي بمحطة الصرف الصحي بمدينة السادس من أكتوبر، والتي نال عنها شهادة الماجستير في عام 2016.

يقول "أسامة"، في تصريحات لـ"للعلم": "إن الفلاح يعاني الأمرَّين من قش الأرز، فإذا حرقه تعرَّض للغرامة بموجب قانون البيئة لما يسببه الحرق من إضرار بالبيئة، وإن تركه في الأرض تعرَّض للغرامة بموجب قانون الزراعة لما يسببه تركه من تبوير للأرض الزراعية، وتبلغ كمية قش الأرز المنتجة سنويًّا حوالي 3.6 ملايين طن، كما نعاني في الوقت ذاته من أزمة مياه الصرف الصحي، ومن هنا جاءت فكرة استخدام قش الأرز في معالجة مياه الصرف، ما يجعلها قابلةً للاستخدام".

ويضيف: بحثت في الدراسات السابقة، ووجدت أن الناس استخدموا نبات اللوف في معالجة مياه الصرف، واستبدلت باللوف قشَّ الأرز، وصممت آلات بمقاسات معينة بشكل دائري لتتلاءم مع مواسير الصرف، وتوصلنا إلى نتائج جيدة جدًّا؛ إذ استمر القش مدةَ سنة دون تغيير، ووجدنا أن الطبقة العليا من القش، والتي يبلغ سمكها 5 سنتيمترات، هي التي تشبعت بالملوثات، وطورنا الأمر بعد ذلك بوضع طبقة رمل سمكها 5 سم فوق القش".

ويشير إلى أن "القش يتميز برخص سعره مقارنةً بالرمال، وبعد الانتهاء من استخدامه في معالجة مياه الصرف يمكن تجفيفه واستخدامه في أغراض أخرى، كما أنه –باعتباره مادة عضوية- يتميز بقدرته على التفاعل مع المواد الكيماوية الضارة الموجودة بمياه الصرف، ومن خلال التجارب التي استمرت ثلاث سنوات، أثبت قش الأرز فاعليةً في إزالة المواد الصلبة العالقة، والبكتيريا، وإزالة المواد العضوية من الحمأة النشطة"، موضحًا أن "الدراسة تمت على مرحلتين، الأولى مرحلة التجارب لتحديد ظروف التشغيل المُثلى، والثانية استهدفت المفاضلة بين قش الأرز واللوف كمرشح بيولوجي يمكن استخدامه لرفع كفاءة المياه الناتجة عن المعالجة ونوعيتها، وانتهت المفاضلة إلى أن قش الأرز هو الأعلى كفاءةً واستدامةً كمرشح بيولوجي".

وانتهت الدراسة إلى نجاح "قش الأرز" في التخلص من 98% من المعادن الثقيلة، ومن 99% من الملوِّثات الدقيقة، والتخلُّص من 100% من البكتيريا القولونية، فضلًا عن أن مواصفات المياه بعد معالجتها باستخدام قش الأرز كانت هي نفسها مواصفات المياه اللازمة للزراعة الآمنة، بالإضافة إلى احتفاظ قش الأرز بكفاءته في إزالة الملوِّثات وتنقية المياه مدةً طويلة دون الحاجة إلى تغييره؛ إذ بلغت مدة صلاحية استخدام القش كمرشح بيولوجي عامًا كاملًا، كما أن الحاجة إلى استخدام الكلور في التعقيم بعد استخدام المرشح البيولوجي (قش الأرز) تقل بنسبة كبيرة جدًّا مقارنةً بحالة استخدام الرمل، إذ تراوحت نسبة إزالة البكتيريا بين 95 و100%.

وعن كيفية التخلُّص الآمن من قش الأرز المستخدم كمرشح بيولوجي، خاصَّةً وأنه يكون مشبعًا بالملوِّثات، يقول "أسامة": "إنه يتم تجفيفه في الشمس للقضاء على البكتيريا والكائنات الأخرى الموجودة داخل مسامه، ثم التخلص الآمن بعملية التخمر والحصول على غاز الميثان كمصدر للطاقة".

وبالرغم من مناقشة الدراسة من خلال لجنة علمية أوصت باستخدامها في محطات معالجة مياه الصرف الصحي الصغيرة بالقرى، ظلت تلك التوصية حبرًا على ورق.

من جهتها، تقول إيناس أبو طالب –الأستاذ بشعبة بحوث البيئة بالمركز القومي للبحوث، والمشرفة على الرسالة- لـ"للعلم": "إن فكرة معالجة مياه الصرف الصحي باستخدام قش الأرز يمكنها الإسهام في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، فالمياه المعالَجة باستخدام قش الأرز أفضل -من حيث الجودة- من تلك التي جرت معالجتها بأحواض الرمل، وهو ما تم إثباته معمليًّا، والفكرة قابلة للتطبيق في مصر؛ إذ يوجد كثير من المصريين المحرومين من خدمة الصرف الصحي، ويتم اللجوء لإلقائها في المجاري المائية مثل النيل والترع والمصارف، مما يتسبب في تلوُّث المزروعات ومياه الري".

السيليكا

النتائج السابقة تتفق مع نتائج رسالة الدكتوراة التي أعدتها جيهان قطب، المدرس بقسم الهندسة الكيميائية في كلية الهندسة بجامعة المنيا، وحصلت عليها من جامعة شوبنك الوطنية بكوريا الجنوبية، وفازت عنها بجائزة أفضل رسالة دكتوراة مصرية لعام 2017 من لجنة القطاع الهندسي بالمجلس الأعلى للجامعات؛ إذ استخدمت الباحثة قش الأرز في تطبيقات مختلفة مثل فصل الزيوت عن المياه، وتحلية المياه، وتنقية مياه الصرف الصناعي من الأصباغ، كما نجحت في إنتاج مواد نانومترية مصدرها مادة "السيليكا" المستخرَجة من قش الأرز.

واستهدفت الدراسة إنتاج مواد نانومترية مختلفة التراكيب، كان مصدرها الرئيسي مادة "السيليكا" المستخرَجة من قش الأرز، ووظَّفتها في العديد من التطبيقات. وعند تدعيمها بمواد أخرى، أظهرت كفاءةً في معالجة المياه الملوثة وإزالة الأصباغ والمعادن الثقيلة. كما يمكن توظيفها في معالجة المياه الملوثة بتقنية التحلُّل الضوئي، والتي تُعَد إحدى أكثر عمليات المعالجة فاعلية.

وكانت المواد المصنَّعة من مادة "السيليكا" المستخرجة من قش الأرز قادرةً على أداء الوظائف التي صُنعت من أجلها بكفاءة عالية؛ إذ ثبت بالتحليل الطيفي باستخدام الأشعة فوق البنفسجية حدوث فصل كامل لمشتقات البترول من البنزين والكيروسين والهكسان عن الماء في الخلطات التي جرى إعدادها معمليًّا، وذلك باستخدام غشاء "النانو فيبر" (الألياف النانوية)، الذي تم إعداده من الـ"نانو سيليكا" (المستخرَجة من قش الأرز) وأكسيد الجرافين.

ومن النتائج الجيدة أيضًا أن حبيبات النانو سيليكا نجحت في أول دقيقة من استخدامها في إزالة 65% من صبغة الميثيلين الأزرق عند وضعها في وسط مائي يحتوي على تلك المادة، كما أمكن باستخدام تقنية التسخين عند 450 درجة مئوية إزالة الأصباغ من تلك الحبيبات وإعادة استخدامها مرةً أخرى.

وبالرغم من الإشادات الدولية والمحلية بالنتائج التي توصلت إليها "قطب"، ما زالت الدراسة تبحث عن نافذة للوصول إلى حيز التطبيق.

وقود حيوي
ومن استخدامه في معالجة مياه الصرف الصحي إلى استخدامه في إنتاج الوقود الحيوي، وهو المجال الذي تخصص فيه حسن جمعة -المستشار بهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة والمستشار البيئي بالعاصمة الإدارية الجديدة- والذي اعتمد على استخدام مصادر الكتلة الحيوية -المواد العضوية الناتجة من التمثيل الحيوي للكائنات الحية كالنبات والحيوان وبعض الكائنات الدقيقة، وأهم مصادرها المخلفات العضوية بأنواعها- في إنتاج الطاقة.

يقول "جمعة" لـ"للعلم": "إن هناك دراسات عدة لإنتاج البيوجاز من قش الأرز في إندونيسيا، والأمر نفسه بالنسبة لهولندا والصين، وغيرها من بلدان العالم، لكن مصر كانت مسرحًا لأول مشروع بيوجاز في العالم، وهو المشروع الذي أقامه الإنجليز عام 1934 بمنطقة الجبل الأصفر بمحافظة القليوبية (شرق القاهرة)، وبدأ اهتمامي بإنتاج البيوجاز من المخلفات عام 1980، وقتها كنت ضابطًا مهندسًا في مركز تدريب المهندسين في بني يوسف بمحافظة الجيزة، وفكرت في الاستفادة من المخلفات في توليد طاقة بدعم فني من وزارة الزراعة، وصممنا محارق للمخلفات، ومواقد للعمل بالبيوجاز. في البداية أنتجنا 50 مترًا مكعبًا تكفي لتشغيل 3 من إجمالي 8 مواقد يضمها مطبخ المعسكر، ومع التعديل والتطوير وصل الإنتاج لـ500 متر مكعب من الغاز، ما حقق اكتفاءً ذاتيًّا للمعسكر، إذ تم الاستغناء عن استخدام "السولار" للطهي وتسخين المياه، وبالمنطق نفسه تعاملت مع قش الأرز باعتباره مخلفًا يمكن استخدامه في البيوجاز، وصممت ماكينة تحول القش إلى "بليت" أصابع، بحيث ينتج طن القش طنًّا من البليت، ويوضع البليت في خزان مخصص في المنزل، وبنظم مصممة للإشعال الأتوماتيكي تجرى تدفئة الغرف وتسخين المياه"، مشيرًا إلى أنه "يمكن تصدير القش في شكل "بليت" إلى أوروبا باعتبارها أكثر احتياجًا إلى التدفئة".

لم يكتفِ "جمعة" بإنتاج البليت من القش، ولكن اختبره في الطهي، وطلب من إحدى شركات إنتاج البوتاجازات إدخال تعديل على تصميم جهازَي "بوتاجاز" لكي يعملا بالبليت، واستخدم 2 كيلو بليت، كانت كافيةً لطهي 4 صواني فراخ وطاجن أرز معمر، وفق قوله.

وبعد تحويل بالات القش لأصابع، اتجه تفكير "جمعة" لإنتاج الفحم النباتي من "القش"، مشيرًا إلى أن "هذا النوع من الفحم قيمته الاقتصادية أعلى من قيمة الفحم الحجري. كما نجح في اختراع جهاز يحول "قش الأرز" إلى تراب فحم، يتم كبسه ليخرج في شكل قوالب فحم نباتي.

التجربة الدنماركية
وعلى الرغم من أن "جمعة" تعامل مع قضية قش الأرز بالروح القتالية نفسها التي تملَّكته في أثناء مشاركته في حروب 67 والاستنزاف وأكتوبر 73، إلا أن هذه الروح لم تصل بأفكاره إلى ساحة الصناعة لسبب يتعلق بسياسات دعم الطاقة؛ فسعر الطاقة المنتجة من مشتقات البترول بعد دعمها من الدولة أقل كثيرًا من سعر الطاقة المنتجة من قش الأرز وغيره من المخلفات، مما يَعوق تطبيق الأبحاث الخاصة بإنتاج الطاقة من المخلفات، على حد وصفه.

ويقترح "جمعة" دراسة تجربة الدنمارك بوصفها نموذجًا يمكن الاقتداء به في مجال توفير التمويل اللازم لإنتاج "البيوجاز" باستخدام المخلفات.

ويقول: "في البداية وفرت الحكومة الدنماركية للمزارعين والمربين وحدات لتوليد الطاقة بنصف ثمنها، وبدأوا بـ30 مزرعة؛ وبعد عام، توقفت الوحدات عن العمل بسبب عدم خبرة المربين بفنون التشغيل والصيانة، ما دفع الدولة لتعديل نظام الدعم، وبدأت تدعم كيانات ذات مساحة كبيرة، بحيث تضم 5 مزارع و100 ألف رأس من الماشية، وبحيث تحصل كل مزرعة على أسهم وفق عدد رؤوس المواشي فيها، وتم تعيين إدارة فنية لإدارة وحدة البيوجاز التي تتسلَّم مخلفات المزارع وتمدها بالطاقة، وفي البداية دعمت الحكومة المشروع بـ50%من التكلفة، وهو الدعم الذي انخفض إلى 25%، ثم توقف تمامًا بعد سنتين عقب فرض نوعين من الضرائب على الطاقة المشتقة من البترول –ضريبة استهلاك وضريبة تكلفة التلوث- أصبح سعر "البيوجاز" المُنتج باستخدام المخلفات أرخص، مما شجع على التوسع في إنتاجه.

جزر منعزلة
أحمد منير -مستثمر ومدير شركة أجنبية تعمل في مجال المخلفات الزراعية تصدرها من دول شرق أفريقيا إلى أوروبا- تواصل معه موقع "للعلم" في أثناء وجوده في القاهرة لإنهاء إجراءات تصدير حاوية من قش الأرز إلى خارج مصر.

يحكي "منير" قصة الصعوبات التي واجهته في أثناء رحلة تصديره قش الأرز "المصري" إلى أوروبا قائلًا: كنت في زيارة للقاهرة منذ 8 سنوات، وتزامنت الزيارة مع موسم حرق القش، كان ذلك في شهر أكتوبر، وهو التوقيت نفسه الذي تتوقف فيه مكابس كبس قش الأرز في أوروبا عن العمل، وهي مكابس يبلغ سعر الواحد منها 5 ملايين جنيه، فكرت وقتها في الاستفادة من المكابس ونقلها إلى مصر خلال فترة توقفها عن العمل في أوروبا لكبس قش الأرز المصري وتصديره لأوروبا، ولكن قبل هذه الخطوة كان يجب تصدير شحنة لعمل التحاليل اللازمة ومعرفة مدى ملاءمة القش المصري للأفران والمحارق الأوروبية التي يتم حرق المخلفات الزراعية فيها".

ويستطرد: في عام 2011، قمنا بتصدير حاوية وزنها 8 أطنان، وقتها كان المسؤول عن جمع القش شركة "كير سرفيس" التابعة لجهاز الخدمة الوطنية، لكن نتائج التحاليل أكدت ارتفاع نِسَب الكبريت والكالسيوم بمعدلات لا تتلاءم مع المحارق الأوروبية، فضلًا عن ارتفاع نسب الكالسيوم والكبريت في القش، والتي تؤدي إلى تآكل المحارق، لذا تراجعنا عن فكرة نقل المكابس من أوروبا خلال فترة توقفها، ولكن جرى تعديل المحارق خلال السنوات الماضية لتتناسب مع مكونات القش المصري، وحضرت إلى القاهرة لتصدير حاوية من قش الأزر لإجراء التحاليل للمرة الثانية ودراسة ملاءمتها للمحارق بعد التعديل، وبالفعل قمنا منذ أيام بتصدير حاوية تزن 8 أطنان إلى أوروبا.

يقول "منير": "واجهنا العديد من الصعوبات عند تصدير القش، منها مطالبة الجمارك بضريبة تحت مسمى "دعم صادر" رغم محاولتنا إقناعهم بأنه قش "أي مخلفات"، ثم جاءت وزارة الزراعة ممثلةً في الحجر الزراعي لتطالب بدخول القش مبخرة للتبخير قبل التصدير، وبذلنا جهدًا كبيرًا لإقناعهم بأن الجهة التي سيصل لها القش لم تطلب شهادة بالتبخير لأنه ببساطة سيُحرق، وأن التبخير تطلبه الجهة المستوردة وليس الجهة المصدرة، ولم يوافقوا إلا بعد أن أرسل شركاؤنا الأجانب شهادات من الاتحاد الأوروبي تؤكد عدم احتياجهم لشهادات صحية من الحجر الزراعي تفيد بتبخير القش. وبعد الانتهاء من الإجراءات رفع المتعهد سعر طن القش من 100 جنيه إلى 250 جنيه، يضاف إليها تكلفة النقل لميناء الإسكندرية بتكلفة 11 ألف جنيه لنقل 7 أطنان قش، وألف دولار لشحنه إلى ألمانيا.

ويصف "منير" تعدُّد الجهات المعنية بالتعامل مع قش الأرز بالجزر المنعزلة، مشيرًا إلى أن المستثمر والمستورد يجب أن يكون تعامله مع جهة واحدة.

ويلخص "منير" مشكلة قش الأرز في مصر قائلًا: من واقع خبرتي في التعامل مع المخلفات، فإن خطة وزارة البيئة المصرية للحد من حريق القش تتمثل في مواجهة 3.5 ملايين طن من قش الأرز من خلال خلق سوق محلي واستخدامه سمادًا بعد إضافة اليوريا، أو علفًا بعد إضافة مركزات البروتين والأملاح، وشجعت الوزارة عملية جمع القش بتوفير معدات وجرارات ومكابس وتأجيرها بأجر رمزي للمتعهد، وتوفير أماكن للتخزين، وهذه حلول ليست كافيةً للقضاء على أزمة قش الأرز، والحل من وجهة نظري يكمن في تصدير قش الأرز، وحتى يتم التصدير لا بد من منظومة لجمع القش في بالات كبيرة لتقليل تكلفة النقل، ووضع سياسات لدعم المخلفات، ودعم النقل البحري؛ لأن نقل القش للتصدير يكون أوفر عن طريق البحر.

ويقدر "منير" العائد الاقتصادي من تصدير القش قائلًا: إن عائد تصدير الطن الواحد من قش الأرز يبلغ 40 يورو، لذا فإن تصدير 3 ملايين طن يحقق عائدًا يبلغ 120 مليون يورو، أي أكثر من مليارين و593 مليون جنيه مصري.

وحول إمكانية نقل المكابس الأوروبية إلى مصر، يقول "منير": "إن هناك صعوبات كبيرة تواجه ذلك، فالمكبس ذاتي الحركة، ويعمل في مساحات زراعية كبيرة تتراوح بين 700 و800 كيلومتر مربع، إذ يقوم جزء من المكبس "اللمامة" بلم القش في شكل خطوط، وهذا لا يتناسب مع مساحات الأرز في مصر؛ لأن تفتيت الملكية والمساحات الصغيرة المتناثرة متنوعة المحاصيل تَعوق عمل هذه المكابس في الدلتا، والحل يكمن في استخدام الجرارات الصغيرة واستخدام مكابس كبيرة ثابتة"، على حد وصفه.

ويضرب "منير" مثلًا بتجربة ناجحة نفذها من خلال الشركة التي يديرها في إثيوبيا قائلًا: أعمل مع شركاء أجانب في مجال تصدير المخلفات الزراعية من دول أفريقيا إلى دول أوروبا لتتحول إلى مصدر طاقة يدفئ المنازل ويسخن المياه، وأنشأنا في إثيوبيا مصنعًا لتحويل المخلفات الزراعية -المتضمنة قش الأرز- إلى صورة يسهل حرقها مثل الفحم، بحيث يتم تكسير القش إلى قطع تتراوح بين 2 و3سم ووضعها في مكابس لتخرج في شكل قوالب “briquetting” أو أصابع“pellets” ، وتصديرها إلى أوروبا لاستخدامها في محطات التدفئة المركزية وتسخين المياه، ودفعَنا إلى ذلك زيادة الطلب العالمي على المخلفات بعد الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة لتغير المناخ، واستخدامها مصدرًا للطاقة وبديلًا للمشتقات البترولية التي تسبب التلوث وتزيد من انبعاث غازات الاحتباس الحراري؛ ونتعامل في الشركة مع كل المخلفات الزراعية، وحتى الحشائش يتم جزها في إثيوبيا وكينيا، ويتم كبسها لتتحول إلى علف تمتد صلاحيته لعامين، وتشتريه منظمة "الفاو" من الشركة لتوزيعه على الفلاحين خلال فترات الجفاف".

ويوضح أن "المخلفات الزراعية تُعَد ثروة كبيرة، حتى إن دولةً مثل الصين، وهي أكبر دولة منتجة للأرز في العالم، لا تحرق ولو قشة واحدة منه، إذ تستخدمه مصدرًا للطاقة والتدفئة في شهور الجليد".

خارج المعمل
للمزارعين قصص معاناة لا تنتهي مع "قش الأرز"، على حد وصف محمد نوفل أبو رجيعة، وهو مزارع من محافظة البحيرة.

يقول أبو رجيعة لـ"للعلم": أرفض فكرة حرق قش الأرز، لكن الفلاح معذور؛ لأن جمع مخلفات الفدان الواحد من الأرز يكلفه 600 جنيه بين أجر العامل الذي يقوم بجمعه وقيمة الحبال التي تُستخدم في تربيطه، إذ إن سعر طن الحبال التي تُستخدم في تربيط القش بعد جمعه 50 ألف جنيه، ولا بديل لتلك الحبال سوى استخدام البلاستيك، والذي يمثل استخدامه خطورةً كبيرة على المواشي في حالة تحويل القش إلى علف.

في المقابل، يؤكد أحمد أبو يوسف –الفلاح المثالي على مستوى الجمهورية، وهو مزارع من الدقهلية- انتشار مبادرات فردية للاستفادة من قش الأرز.

يقول أبو يوسف، في تصريحات لـ"للعلم": "انتشرت أنشطة صناعية كثيرة بالدقهلية لمواكبة الاستفادة من قش الأرز، تتمثل في إقامة ورش حدادة في ميت غمر لتصنيع مكابس ودرَّاسات صغيرة تقطع القش إلى قطع لا تزيد عن 20سم ليصبح مثل تبن القمح بما يلائم البهائم، ولم يعد الاعتماد على المعدات التي توفرها وزارة البيئة وحدها، معترفًا في الوقت ذاته، بـ"استعجال بعض الفلاحين وحرقهم القش لتجهيز الأرض لزراعة البرسيم"، على حد وصفه.

ويكشف محمد علوان –الأمين العام لنقابة الفلاحين- عن مبادرة كانت النقابة قد أطلقتها وبدأت تنفيذها في محافظة البحيرة بالتعاون مع وزارة البيئة في عام 2016.

يقول علوان لـ"للعلم": "إن المبادرة قامت على مساعدة الفلاحين في عملية جمع القش وتجهيز التربة للمحصول التالي، ونجحت بالفعل في منع لجوء الفلاحين لحرق قش الأرز في عام 2016، لكنها لم تستمر ولم تعمم بسبب عدم وجود مجالات صناعية تستوعب القش كله، وعدم وجود أماكن تكفي لتخزينه، كما أغلقت المحافظة مصنعًا لتدوير المخلفات بسيدي غازي بكفر الدوار، وهو المصنع الذي كان يستقبل بالات القش، وأعلنت عن تأجيره لأحد المستثمرين".

الصورة ليست قاتمة للنهاية
من داخل وزارة البيئة -الجهة المنوط بها مواجهة السحابة السوداء الناتجة عن حرق قش الأرز- التقت "للعلم" أيمن شتا –رئيس قطاع الفروع الإقليمية بالوزارة- الذي استعرض معنا أحدث تقرير خاص بقش الأرز، قائلًا: "إن الفلاح يستخدم نصف كمية القش في أغراض متنوعة، أما النصف الآخر فيمثل مشكلة نسعى لحلها بعيدًا عن حرق القش، حفاظًا على نوعية الهواء وجودته، خاصةً أن موسم الحصاد يكون في فصل الخريف؛ إذ تضعف عوامل تشتُّت الهواء ويتسم الطقس بالسكون، وتكون الرياح شماليةً شرقية، وكل ذلك يضاعف مشكلة السحابة السوداء.

ويضيف أنه "من العوامل التي تزيد من حجم المشكلة إدخال أنواع آسيوية جديدة من شتلات الأرز يتولد عنها كميات كبيرة من القش، وعدم الالتزام بالمساحات المحددة للزراعة بقرار من وزير الري، وتفتيت الحيازات، وعدم كفاية معدات الجمع والنقل والكبس، وعزوف المستثمرين نظرًا لموسمية جمع القش".

ويشير إلى أن "الصعوبات السابقة واجهتها جهود عديدة لخفض معدلات الحرق، تمثلت في تشجيع إعادة استخدام المخلفات الزراعية في صناعة السماد والأعلاف من خلال بروتوكول تدوير المخلفات الزراعية (المزارع الصغير) لتحويل 220 ألف طن قش إلى أعلاف وأسمدة.

واستطرد: توفر وزارة البيئة مستلزمات التدوير من يوريا وبلاستيك، وتدعم عمليات الجمع من خلال برتوكول مع وزارة الزراعة لدعم متعهدي القش في محافظات (الشرقية– الغربية- الدقهلية- البحيرة- كفر الشيخ)، ويتم من خلاله جمع 350 ألف طن قش أرز، كما تقدم دعمًا ماليًّا يبلغ 50 جنيهًا، مقابل جمع كل طن من قش الأرز، فضلًا عن توفير معدات جمع القش وكبسه ونقله، وقد بلغ عدد معدات الوزارة المتاحة بأجر رمزي للمتعهدين 880 معدة، ما بين جرارات ولودرات ومقطورات ولمامات ومكابس ومفارم.

كما تبنت وزارة البيئة برنامجَ تمويل متعهدي جمع المخلفات الزراعية من خلال بروتوكول وقعته مع الصندوق الاجتماعي للتنمية لشراء معدات للجمع والكبس والفرم والنقل، وبلغ إجمالي التمويل 30 مليون جنيه مرحلةً أولى، بحد أقصى مليون جنيه لكل متعهد بفائدة 4%، ومدة سداد 5 سنوات، بالإضافة إلى العمل على خلق سوق فعلي للمخلفات الزراعية، وذلك باستكمال برتوكول تعاون بين الوزارة وشركة لافارج للأسمنت؛ إذ يهدف البرتوكول إلى تسهيل التعاقد بين متعهدي جمع المخلفات وشركة الأسمنت، وبموجب البرتوكول سيورد المتعهدون كميات تتراوح بين 400 و600 ألف طن مخلفات زراعية، من بينها قش الأرز؛ لاستخدامها بديلًا للطاقة.

لكن "شتا" يؤكد، في الوقت ذاته، أن "جهود وزارة البيئة في منع الحرق تحتاج إلى تضافر جهود وزارات أخرى، وأنه لن يتم منع حرق قش الأرز بشكل نهائي إلا بتوجيه القش لصناعات تدر عائدًا، وذلك بتنفيذ البحوث العلمية ودراسة تجارب الدول التي تحول القش فيها إلى ثروة".

ليست سوداء
"الصورة ليست قاتمة، وليست بلون سحابة القش السوداء"، بهذه الجملة بدأ "صلاح الشريف" -مستشار وزير البيئة- حديثه لـ"للعلم"، موضحًا أن "أزمة السحابة السوداء بدأت وشعر بها الناس موسم 1997-1998 بعد أن أوقفت شركة "راكتا" خطوط إنتاج لب الورق من قش الأرز، واتجهت لإعادة تدوير الورق، ومن وقتها اعتادت وزارة البيئة إعلان حالة الطوارئ مع موسم الحصاد لوقف حرق القش، مستخدمةً عدة خطط استراتيجية، منها توقيع عقوبات على المخالفين، وتوعية الفلاح بمخاطر الحرق على صحته وصحة أولاده، وتوعيته بالقيمة الاقتصادية للقش، وتدريبه على الاستفادة منه بتحويله إلى علف لماشيته وسماد؛ إذ توجد مسارات عدة يسير فيها القش الناجي من الحريق، إذ يستخدمه الفلاحون في تغطية الخضراوات والفواكه في فترة الشتاء، وتصنيع علف وسماد بمعالجة بسيطة، فضلًا عن توجيه القش إلى مصانع الأسمنت".

ولا ينكر "الشريف" أن الحرق لا يزال قائمًا رغم الجهود، مضيفًا أن "هناك -في الوقت ذاته- صورًا إيجابية، منها التصنيع المحلي للمعدات اللازمة للتعامل مع القش مثل المفارم؛ إذ انتشرت الورش الصغيرة في عدة أماكن، منها منطقة ميت غمر بمحافظة الدقهلية، وأنتجت مفارم صغيرة تناسب الحيازات الزراعية الصغيرة، ولا يتعدى سعر المفرمة 20 ألف جنيه، ومن الصور الإيجابية عودة الفلاحين للفرن البلدي واستخدام القش وغيره من المخلفات الزراعية مصدرًا للوقود، وذلك لمواجهة ارتفاع سعر أنبوبة البوتاجاز، ووعي بعض الفلاحين وتعاونهم في جمع القش".

وحول سبب توقُّف تجربة مصانع الغاز في "تمي الأمديد" بالدقهلية والعزيزية بالشرقية، يقول "الشريف": "إنه تمت إقامة مصنعين في المنصورة والشرقية بمنحة صينية لإنتاج الغاز، وفى تمي الأمديد تم توصيل الغاز لـ50 منزلًا، ووفرنا بوتاجازات مجانًا، لكن للأسف حدث تآكل في جسم خزان الوقود وكذلك الولاعات، وعندما رجعنا للجانب الصيني قالوا إن التكنولوجيا تقادمت، وعرضوا علينا شراء تكنولوجيا جديدة، وحاليًّا تدرس الوزارة إعادة تشغيل المصنعين وتعميم التجربة، وذلك في ظل تصاعُد التوقعات بزيادة الاعتماد على المخلفات بشكل عام كمصدر للطاقة مع ارتفاع أسعار الطاقة التقليدية".

نلاعب الهواء
يصف "وليد ترك" –الباحث بوزارة البيئة- جهود وزارة البيئة في مواجهة السحابة السوداء الناجمة عن حرق قش الأرز بأنها أشبه بمباراة في مواجهة "ألاعيب الهواء".

يوضح ترك وصفه، في تصريحات لـ"للعلم"، قائلًا: "نلاعب الهواء للتغلب على التلوث والحفاظ على نوعية الهواء، وما يهم وزارة البيئة في قضية قش الأرز هو تأثير حرقه على نوعية الهواء وجودته؛ إذ تشكل السحابة السوداء من 10 إلى 15% من أسباب تلوث الهواء، ويتزامن موسم الحصاد مع فصل الخريف (سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر)، إذ يضعف تشتُّت الهواء وتتركز الملوثات ويزداد الإحساس بالمشكلة، فلو جرى حرق قش في كفر الشيخ، فإن السحب الناجمة عنه تصل إلى القاهرة في شكل دوامات خلال 3 أيام، لذلك استعانت الوزارة بـ3 أقمار صناعية تراقب جو مصر وهواءها، وتصدر تقارير كل ساعتين بهدف توجيه ضربات استباقية على الأرض؛ لأن قوة الوزارة محدودة على الأرض، فإجمالي عدد العاملين بالوزارة على مستوى جميع المحافظات لا يتعدى 3400 شخص، ومن الصعب عليهم مطاردة سحابة تنطلق من عدة محافظات، لذلك تجري متابعة الهواء لحظة بلحظة من خلال غرفة طوارئ تعمل 24 ساعة".

ويضيف أنه "على مدى يومي 11 و12 أكتوبر من العام الماضي، تعرضت مصر لرياح جنوبية غير متوقعة، ونزلت فرق البيئة إلى منطقة عرب أبو ساعد بمحافظة الجيزة (جنوب القاهرة) لوقف تشغيل المصانع هناك لحين انتهاء الرياح، وإذا هبت رياح من الصحراء الشرقية ونويبع تتحرك فِرَق البيئة لوقف أي مصدر تلوُّث، سواء حرق المخلفات أو الأنشطة الصناعية"، موضحًا أن "حركة الهواء والرياح هي التي توجه جهود فِرَق البيئة على الأرض لمواجهة التلوث والحفاظ على نوعية الهواء وجودته، ويصدر عن الإدارة المركزية لإدارة الأزمات والكوارث البيئية تقرير يومي عن حالة الهواء في أثناء فترة نوبات تلوُّث الهواء الحادة لمضاعفة الجهود المبذولة للتحكم في التلوث والحد منه في ضوء الأحوال الجوية".

كما شاركت وزارة البيئة في مؤتمر عقدته "المنظمة العربية للاستدامة" في منتصف نوفمبر 2017 تحت عنوان "قش الأرز من نقمة إلى نعمة"، وتم خلاله عرض تجارب دول جنوب شرق آسيا في الاستفادة من قش الأرز.

يقول كمال دسوقي -رئيس المنظمة- لـ"للعلم": "إن المؤتمر استهدف تعرُّف تجارب الدول الأخرى في استغلال القش مثل اليابان والصين وإيطاليا، والذين ينتظرون موسم حصاد الأرز للحصول على القش الذي يدخل في تصنيع الخشب والورق وتوليد الطاقة، بل وفي مجالات الترفيه والفنون أيضًا كما هو الحال بالنسبة لتصنيع تماثيل القش التي أشرف على تنفيذها"، مضيفًا: "أردنا توصيل رسالة مفادها أن القش يمكن تحويله إلى قطعة فنية، واستعنَّا بحرفيين لتنفيذها، كما صممنا عرض "أراجوز" للتوعية بخطورة الحرق وأهمية القش، وأقمنا مهرجانًا للتماثيل المصنوعة من قش الأرز، وهي فكرة مستوحاة من اليابان".

ويقول وليد أبو بطة –الأستاذ بالمركز القومي للبحوث الزراعية وأمين عام المنظمة- لـ"للعلم": "إن قش الأرز يمكن تحويله من سحابة سوداء إلى ثروة باستخدامه في تصنيع الأخشاب والورق وزراعة عيش الغراب، وتوليد الطاقة، وتصنيع طوب للبناء بخلط القش مع الأسمنت، وكل ما سبق توجد أبحاث علمية خاصة به ونفذته دول بالفعل، ولكن تطبيقها في مصر يواجه صعوبات لأسباب تتعلق بالتشريعات، مثل كود البناء المصري الذي لا يعترف بالمخلفات، والتشريعات الخاصة بالطاقة وسياسات دعم الطاقة، وتداخُل الاختصاصات بين الجهات التنفيذية والعلمية، ومن هنا تأتي أهمية إقامة مهرجان قش الأرز سنويًّا، وتحديدًا في نهاية شهر نوفمبر، بحيث تلتقي من خلاله كل الأطراف الفاعلة، ممثلةً في المزارعين والباحثين ورجال الصناعة والمستثمرين".

المصدر/ موقع للعلم
هل أعجبك الموضوع ؟

نبذة عن الكاتب

م و كاتب مقالات الرأي في الصحف والمواقع الإلكترونية, محب للبحث والقراءة في علوم الاقتصاد والمحاسبة والادارة والتنمية البشرية وربط العلوم ببعضها,وأهدف الى بناء أقوي موقع حر للكتاب المستقلين .ويسرني ويشرفني انضمام جميع فئات الكتاب لتقديم محتوي قيم وتحقيق اهداف الموقع واهدافهم


يمكنك متابعتي على :


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


جميع الحقوق محفوضة لمدونة كاتب مستقل2015/2016

تصميم : تدوين باحتراف